المبشر بن فاتك

308

مختار الحكم ومحاسن الكلم

لهم : « مالي أرى فيكم شيئا لم أره فيمن مررت به ؟ ما لي أرى بيوتكم مستوية ليس يفضل بعضها على بعض ؟ » قالوا : « إنما البناء بغى ، وليس يبغى بعضنا على بعض » . قال : « فما لي أرى قبوركم بأفنيتكم ؟ » قالوا : « إنما هي بيوتنا فتكون تذكرا وإليها نصير عن قريب » . قال : « فما لي لا أرى عليكم قاضيا ؟ » قالوا : « تعاطينا الحقّ فيما بيننا ، فلم نرد قاضيا » . قال : « أفلا أنظر لكم قرية هي « 1 » أرفق بكم منها ؟ » قالوا : « هل تستطيع أن تردّ الموت عنّا ؟ » قال : « لا ! » قالوا : « فذرنا بمكاننا ! » . وذكروا أنه كان ، فيما نظر المنجمون فيه من نهاية القضاء ملك الإسكندر ، أن آية ذلك أن يموت على أرض من حديد تحت سماء من ذهب . فبينا هو يسير ذات يوم ، إذ رعف رعافا شديدا ، فأجهده الضعف حتى مال عن فرسه . فنزل بعض قوّاده ، فنزع درعه وفرشها له وظللّه من الشمس بترس مذهب . فلما رأى ذلك قال : « هذا أوان منيّتى ! » فدعا بكاتبه وقال له : « خفّف عنى بعض ما نزل بي بكتاب أوجهه إلى أمي . فإذا فرغت منه فاقرأه علىّ قبل أن أموت ، فإني أظنّ أنى عن قليل ينزل بي » . وكان الكتاب المعروف الذي أوله « من العبد بن العبد الإسكندر رفيق أهل الأرض بجسده قليلا ، ومجاور أهل الآخرة بروحه طويلا - إلى أمه روفيا « 2 » الصفيّة الحبيبة التي لم يتمتع بقربها في دار القرب ، وهي مجاورته غدا في دار البعد . . . » إلى آخر الكتاب . وهو كتاب طويل . وقد ذكرته وغيره من كتبه في تأريخي الكبير « 3 » على التمام « 4 »

--> ( 1 ) ح ، ص : وهي . - قرية : ناقصة في ن . ( 2 ) ص ، ح الخ : زوفبا . ( 3 ) لم يورد ابن أبي أصيبعة في ترجمة مبشر بن فاتك اسم هذا « التاريخ الكبير » . ( 4 ) أوردت الترجمتان اللاتينية والإسبانية هذا الكتاب كاملا ؛ وأورده أيضا حنين برواية أطول ، كما ذكر ذلك ميسنز في تعليقه على هذا الموضع . وقد ظن أن الترجمة الإسبانية لا يمكن أن تأخذه إلا عن نسخة أخرى من كتابنا هذا .